فصل: الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة الأعراف

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏ المص ‏.‏ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ‏.‏ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ‏}‏

تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه، قال ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏المص‏}‏‏:‏ أنا اللّه أفصل، ‏{‏كتاب أنزل إليك‏}‏ أي هذا كتاب أنزل إليك أي من ربك، ‏{‏فلا يكن في صدرك حرج منه‏}‏ شك منه، وقيل‏:‏ لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به، ‏{‏فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل‏}‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لتنذر به‏}‏ أي أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين ‏{‏وذكرى للمؤمنين‏}‏، ثم قال تعالى مخاطباً للعالم‏:‏ ‏{‏اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم‏}‏ أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، ‏{‏ولا تتبعوا من دونه أولياء‏}‏ أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم اللّه إلى حكم غيره، ‏{‏قليلاً ما تذكرون‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ‏.‏ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ‏.‏ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ‏.‏ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ‏}‏

يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وكم من قرية أهلكناها‏}‏ أي بمخالفة رسلنا وتكذيبهم فأعقبهم ذلك خزي الدينا موصولاً بذل الآخرة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون‏}‏ أي فكان منهم من جاءه أمر اللّه وبأسه ونقمته ‏{‏بياتا‏}‏ أي ليلاً ‏{‏أو هم قائلون‏}‏ من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال‏:‏ ‏{‏أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف اللّه بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم

فما هم بمعجزين‏}‏،

وقوله‏:‏ ‏{‏فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين‏}‏ أي فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة - إلى قوله - خامدين‏}‏، قال ابن جرير‏:‏ في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم‏}‏ الآية، كقوله‏:‏ ‏{‏ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا أجبتم‏؟‏ قالوا‏:‏ لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب‏}‏ فيسأل اللّه الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال ابن عباس في تفسير هذه الآية ‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين‏}‏ قال‏:‏ عما بلغوا‏.‏

وعن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده‏)‏، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين‏}‏ ‏"‏رواه ابن مردويه، وهو مخرج في الصحيحين بدون زيادة قوله ثم قرأ الآية‏"‏، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين‏}‏ يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون، ‏{‏وما كنا غائبين‏}‏ يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ‏{‏وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 9‏)‏

‏{‏ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ‏.‏ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏والوزن‏}‏ أي للأعمال يوم القيامة ‏{‏الحق‏}‏ أي لا يظلم تعالى أحداً، كقوله‏:‏ ‏{‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون‏}‏‏.‏

 فصل والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل‏:‏ الأعمال وإن كانت أعراضاً، إلا أن اللّه تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً، يروى هذا عن ابن عباس، كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وقيل‏:‏ يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها‏:‏ لا إله إلا اللّه، الحديث ‏"‏الحديث في سنن الترمذي وصححه‏"‏، وقيل‏:‏ يوزن صاحب العمل كما في الحديث‏:‏ ‏(‏يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند اللّه جناح بعوضة‏)‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً‏}‏، وفي مناقب عبد اللّه بن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد‏)‏، وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏10‏)‏

‏{‏ ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ممتناً على عبيده فيما مكَّن لهم من أنه جعل الأرض قراراً، وجعل فيها رواسي وأنهاراً وجعل لهم فيها منازل وبيوتاً، وأباح لهم منافعها وسخّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها ‏{‏معايش‏}‏ْ أي مكاسب وأسباباً يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كقوله‏:‏ ‏{‏وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏11‏)‏

‏{‏ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ‏}‏

ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا‏}‏،

هذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين‏}‏، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين لازب وصوره بشراً سوياً ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لشأن اللّه تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، والمراد بذلك كله آدم عليه السلام، وقال سفيان الثوري عن ابن عباس ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صورناكم‏}‏ قال‏:‏ خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء ‏"‏رواه الحاكم وقال‏:‏ صحيح على شرطهما ولم يخرجاه‏"‏، ونقل ابن جرير عن بعض السلف أيضاً أن المراد ‏{‏بخلقناكم‏}‏ ثم ‏{‏صورناكم‏}‏ الذرية، وقال أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية، وهذا فيه نظر لأنه قال بعده‏:‏ ‏{‏ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم‏}‏، فدل على أن المراد بذلك آدم، وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، كما يقول اللّه تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى‏}‏، المراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين‏}‏ الآية، فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة وذريته مخلوقون من نطفة،

وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معيناً، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏12‏)‏

‏{‏ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ‏}‏

قال بعض النحاة لا هنا زائدة، زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر‏:‏ ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ، فأدخل إن وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي، قالوا‏:‏ وكذا هنا ‏{‏ما منعك أن لا تسجد‏}‏ مع تقدم قوله‏:‏ ‏{‏لم يكن من الساجدين‏}‏، واختار ابن جرير أن ‏{‏منعك‏}‏ مضمن معنى فعل آخر تقديره‏:‏ ما ألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، واللّه أعلم‏.‏ وقول إبليس لعنه اللّه‏:‏ ‏{‏أنا خير منه‏}‏ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه اللّه وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له ‏؟‏ ثم بيّن أنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن اللّه تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياساً فاسداً في مقابلة نص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقعوا له ساجدين‏}‏ فشذ من بين الملائكة لترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة أي أويس من الرحمة،

فأخطأ قبحه اللّه في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضاً، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر اللّه والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة‏.‏ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم‏)‏ ‏"‏رواه مسلم بهذا اللفظ‏"‏، وعن عائشة قالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خلقت الملائكة من نور وخلق أبليس من مارج من نار وخلق أدم مما وصف لكم‏)‏ ‏"‏رواه مسلم بهذا اللفظ‏"‏، وعن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خلق اللّه الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم‏)‏ ‏"‏رواه ابن مردويه‏"‏، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح‏:‏ ‏(‏وخلقت الحور العين من الزعفران‏)‏ وقال الحسن‏:‏ قاس إبليس وهو أول من قاس، وعن ابن سيرين قال‏:‏ أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس‏.‏ إسناد صحيح أيضاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏13 ‏:‏ 15‏)‏

‏{‏ قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ‏.‏ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ‏.‏ قال إنك من المنظرين ‏}‏

يقول تعالى مخاطباً لإبليس بأمرٍ قدري كوني ‏{‏فاهبط منها‏}‏ أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها، قال كثير من المفسرين‏:‏ الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ‏{‏فاخرج إنك من الصاغرين‏}‏ أي الذليلن الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال‏:‏ ‏{‏أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين‏}‏ أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب‏.‏

 الآية رقم ‏(‏16 ‏:‏ 17‏)‏

‏{‏ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ‏.‏ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ‏}‏

يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس ‏{‏إلى يوم يبعثون‏}‏ واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد، فقال‏:‏ ‏{‏فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم‏}‏ أي كما أغويتني، قال ابن عباس‏:‏ كما أضللتني، وقال غيره‏:‏ كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ‏{‏صراطك المستقيم‏}‏ أي طريق الحق وسبيل النجاة ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة‏:‏ الباء هنا قسمية، كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، قال مجاهد‏:‏ ‏{‏صراطك المستقيم‏}‏ يعني الحق، والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك، روى الإمام أحمد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال‏:‏ أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏وقعد له بطريق الهجرة فقال‏:‏ أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال فعصاه وجاهد‏)‏، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم‏}‏ الآية، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏ثم لآتينهم من بين أيديهم‏}‏ أشككهم في آخرتهم ‏{‏ومن خلفهم‏}‏ أرعبهم في ديناهم ‏{‏وعن أيمانهم‏}‏ أشبه عليهم أمر دينهم ‏{‏وعن شمائلهم‏}‏ أشهي لهم المعاصي، وعنه‏:‏ أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدينا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السئيات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة اللّه وكذا روي عن إبراهيم النخعي والسدي وابن جريج ‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏من بين أيديهم وعن أيمانهم‏}‏ من حيث يبصرون، ‏{‏ومن خلفهم وعن شمائلهم‏}‏ حيث لا يبصرون، واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحسنه لهم، وقال ابن عباس ‏{‏ولا تجد أكثرهم شاكرين‏}‏ قال‏:‏ موحدين، وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين‏}‏، ولهذا ورد في الحديث‏:‏ الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان كما قال الحافظ البزار‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو‏:‏ ‏(‏اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني وديناي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي‏)‏ ‏"‏أخرجه الحافظ البزار من حديث ابن عباس مرفوعاً‏"‏‏.‏

وعن عبد اللّه بن عمر قال‏:‏ لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي‏:‏ اللهم إني أسألك العافية في الدينا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي‏)‏ ‏"‏ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏18‏)‏

‏{‏ قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ‏}‏

أكد تعالى على الشيطان اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله‏:‏ ‏{‏اخرج منها مذءوما مدحورا‏}‏، قال ابن جرير‏:‏ أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم‏:‏ العيب، يقال ذأمه ذأماً فهو مذؤوم، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال‏:‏ والمدحور المقصيّ وهو المبعد المطرود، وقال‏:‏ ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحداً،

وقال ابن عباس‏:‏ صغيراً مقيتاً، وقال السدي‏:‏ مقيتاً مطروداً، وقال قتادة‏:‏ لعيناً مقيتاً، وقال مجاهد‏:‏ منفياً مطروداً، وقال الربيع بن أنس‏:‏ مذؤوماً منفياً والمدحور المصغر‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏19 ‏:‏ 21‏)‏

‏{‏ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ‏.‏ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ‏.‏ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ‏}‏

يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن وقال كذباً وافتراء‏:‏ ‏{‏ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين‏}‏ أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين ها هنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، كقوله‏:‏ ‏{‏قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى‏}‏ أي لئلا تكونا ملكين، كقوله‏:‏ ‏{‏يبين اللّه لكم أن تضلوا‏}‏، أي لئلا تضلوا ‏{‏وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم‏}‏ أي لئلا تميد بكم، ‏{‏وقاسمهما‏}‏ أي حلف لهما باللّه ‏{‏إني لكما لمن الناصحين‏}‏، أي حلف لهما باللّه على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن باللّه، وقال قتادة في الآية‏:‏ حلف باللّه إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول‏:‏ من خدعنا باللّه انخدعنا له‏.‏

 الآية رقم ‏(‏22 ‏:‏ 23‏)‏

‏{‏ فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ‏.‏قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ‏}‏

عن ابن عباس قال‏:‏ كانت الشجرة التي نهى اللّه عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين، يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم عليه السلام مولياً في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه اللّه‏:‏ يا آدم أمني تفر‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكني أستحييك يا رب، قال‏:‏ أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك‏؟‏ قال‏:‏ بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال‏:‏ وهو قول اللّه عز وجلَّ ‏{‏وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين‏}‏ قال‏:‏ فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدّاً قال‏:‏ فاهبط من الجنة، وكانا يأكلان منها رغداً فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء اللّه أن يبلغ، وقال سعيد ابن جبير عن ابن عباس وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة‏}‏ قال‏:‏ ورق التين وقال مجاهد‏:‏ جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة قال كهيئة الثوب، وقال وهب ابن منبه في قوله‏:‏ ‏{‏ينزع عنهما لباسهما‏}‏ قال‏:‏ كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما ‏"‏رواه ابن جرير بسند صحيح‏"‏‏.‏ وقال قتادة‏:‏ قال آدم‏:‏ أي رب أرأيت أن تبت واستغفرت،

قال‏:‏ إذاً أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله‏.‏ وقال ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ لما أكل آدم من الشجرة قيل له‏:‏ لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها‏؟‏ قال‏:‏ حواء أمرتني، قال‏:‏ فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كُرهاً، ولا تضع إلا كُرهاً، قال‏:‏ فرنت عند ذلك حواء، فقيل لها‏:‏ الرنة عليك وعلى ولدك؛ وقال الضحاك بن مزاحم في قوله‏:‏ ‏{‏ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين‏}‏ هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏24 ‏:‏25‏)‏

‏{‏ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ‏.‏ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ‏}‏

قيل المراد بالخطاب في ‏{‏اهبطوا‏}‏ آدم وحواء وإبليس، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال‏:‏ ‏{‏اهبطا منها جميعا‏}‏ الآية، وحواء تبع لآدم، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات واللّه أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو ديناهم لذكرها اللّه تعالى في كتابه أو رسوله صلى اللّه عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏{‏ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين‏}‏ أي قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏مستقر‏}‏ القبور، وعنه قال ‏{‏مستقر‏}‏ فوق الأرض وتحتها رواهما ابن أبي حاتم، وقوله‏:‏ ‏{‏قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون‏}‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى‏}‏، يخبر تعالى أنه جعل الأرض داراً لبني آدم مدة الحياة الدينا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة الذي يجمع اللّه فيه الأولين والأخرين ويجازي كلا بعمله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏26‏)‏

‏{‏ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ‏}‏

يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب، وقال ابن عباس‏:‏ الريش‏:‏ اللباس، والعيش والنعيم، وقال ابن أسلم‏:‏ الرياش الجمال؛ ولبس أبو أمامة ثوباً جديداً، فلما بلغ ترقوته قال الحمد للّه الذي كساني ما أوراي به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من استجد ثوباً فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته‏:‏ الحمد للّه الذي كساني ما أوراي به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة اللّه وفي جوار اللّه وفي كنف اللّه حياً وميتاً‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي وابن ماجه‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولباس التقوى ذلك خير‏}‏، اختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة‏:‏ يقال هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، وقال قتادة وابن جريج‏:‏ ‏{‏ولباس التقوى‏}‏ الإيمان، وقال ابن عباس‏:‏ العمل الصالح، وعنه‏:‏ هو السمت الحسن في الوجه، وعن عروة بن الزبير ‏{‏لباس التقوى‏}‏ خشية اللّه، وقال ابن أسلم‏:‏ ولباس التقوى يتقي اللّه فيواري عورته، فذاك لباس التقوى، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ رأيت عثمان بن عفان رضي اللّه عنه على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليه قميص فوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال‏:‏ يا أيها الناس اتقوا اللّه في هذه السرائر، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏والذي نفس محمد بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر‏)‏، ثم قرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات اللّه‏}‏ قال‏:‏ السمت الحسن ‏"‏رواه ابن جرير، قال ابن كثير‏:‏ فيه ضعف، وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري بعضه‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏27‏)‏

‏{‏ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ‏}‏

يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله مبيناً لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه وإخراجه من الجنة، التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏28 ‏:‏ 30‏)‏

‏{‏ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ‏.‏ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ‏.‏ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ‏}‏

كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها، وكانت قريش - وهم الحمس - يسرفون في ثيابهم، ومن أعراه أحمسي ثوباً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحدن ومن لم يجد ثوباً جديداً ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر فتقول‏:‏

اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله

وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرع، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك فقال‏:‏ ‏{‏وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها‏}‏، فقال تعالى رداً عليهم‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي يا محمد لمن ادعى ذلك ‏{‏إن اللّه لا يأمر بالفحشاء‏}‏ أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة واللّه لا يأمر بمثل ذلك، ‏{‏أتقولون على اللّه ما لا تعلمون‏}‏‏؟‏ أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أمر ربي بالقسط‏}‏ أي بالعدل والاستقامة، ‏{‏وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين‏}‏ أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسيلن المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن اللّه، وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك‏.‏

واختلف في معنى قوله‏:‏ ‏{‏كما بدأكم تعودون‏}‏، فقال مجاهد‏:‏ يحييكم بعد موتكم، وقال الحسن البصري‏:‏ كما بدأكم في الدينا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء، وقال قتادة‏:‏ بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً ثم ذهبوا ثم يعيدهم، وقال ابن أسلم‏:‏ كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخراً، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه عن ابن عباس قال‏:‏ قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بموعظة فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى اللّه حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين‏)‏ ‏"‏الحديث من رواية الصحيحين، ومعنى قوله ‏{‏غرلا‏}‏ أي غير مختونين‏"‏‏.‏ وعن مجاهد قال‏:‏ يبعث المسلم مسلماً والكافر كافراً، وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ ‏{‏كما بدأكم تعودون‏}‏ من ابتدأ اللّه خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدأوا عليه، وقال السدي‏:‏ ‏{‏كما بدأكم تعودون‏}‏ كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم؛ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ إن اللّه تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن‏}‏ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً، قلت‏:‏ ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري‏:‏ ‏(‏فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة‏)‏

وعن سهل بن سعد قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم‏)‏ ‏"‏هذا جزء من حديث رواه البخاري‏"‏وفي الحديث‏:‏ ‏(‏يبعث كل عبد على ما مات عليه‏)‏ ‏"‏رواه مسلم وابن ماجه‏"‏‏.‏ قلت‏:‏ ولا بد من الجمع بين هذا القول وإن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت اللّه التي فطر الناس عليها‏}‏، وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه‏)‏، ووجه الجمع على هذا‏:‏ أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقياً ومنهم سعيداً، ‏{‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن‏}‏، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها‏)‏ وقدر اللّه نافذ في بريته، فإنه هو ‏{‏الذي قدر فهدى‏}‏ و‏{‏الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى‏}‏، وفي الصحيحين‏:‏ ‏(‏فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة‏)‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة‏}‏، ثم علل ذلك فقال‏:‏ ‏{‏إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله‏}‏ الآية‏.‏

 الآية رقم ‏(‏31‏)‏

‏{‏ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ‏}‏

هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة، كما روي عن ابن عباس، قال‏:‏ كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، الرجال بالنهارن والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول‏:‏

اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله

فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏خذوا زينتكم عند كل مسجد‏}‏ ‏"‏رواه مسلم والنسائي وابن جرير واللفظ له‏"‏، وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم اللّه بالزينة، والزينةُ اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد ‏"‏وروي عن مجاهد وعطاء والنخعي وقتادة والسدي والضحّاك وغيرهم‏"‏‏.‏ ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنّة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة، ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض، كما قال الإمام أحمد عن ابن عباس مرفوعاً قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إلبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر‏)‏، وللإمام أحمد أيضاً وأهل السنن، عن سمرة بن جندب قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم‏)‏ ويروى أن تميماً الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكلوا واشربوا‏}‏ الآية، قال بعض السلف‏:‏ جمع اللّه الطب كله في نصف آية‏:‏ ‏{‏وكلوا واشربوا ولا تسرفوا‏}‏، وقال البخاري، قال ابن عباس‏:‏ كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان‏:‏ سرف ومخيلة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أحل اللّه الأكل والشرب، ما لم يكن سرفاً أو مخيلة، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏كلوا واشربوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن اللّه يحب أن يرى نعمته على عبده‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والنسائي وابن ماجه‏"‏، وقال الإمام أحمد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلاً لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه‏)‏ ‏"‏ورواه النسائي والترمذي، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏"‏، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت‏)‏ ‏"‏رواه الحافظ الموصلي والدارقطني وقال فيه‏:‏ هذا حديث غريب‏"‏‏.‏ وقال السدي‏:‏ كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ‏"‏الدسم‏"‏ما أقاموا في المواسم، فقال اللّه تعالى لهم‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا‏}‏ الآية، يقول‏:‏ لا تسرفوا في التحريم، وقال مجاهد‏:‏ أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم اللّه، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ‏{‏ولا تسرفوا‏}‏ ولا تأكلوا حراماً ذلك الإسراف، وقال ابن جرير، وقوله‏:‏ ‏{‏إنه لا يحب المسرفين‏}‏، يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يحب المعتدين‏}‏ حده في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به‏.‏

 الآية رقم ‏(‏32‏)‏

‏{‏ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ‏}‏

يقول تعالى رداً على من حرم شيئاً من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من اللّه ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ‏{‏من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده‏}‏ الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن باللّه وعبده في الحياة الدينا، وإن شركهم فيها الكفار حساً في الدينا، فهي لهم خاصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل اللّه ‏{‏قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده‏}‏ فأمروا بالثياب ‏"‏رواه الطبراني عن ابن عباس‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏33‏)‏

‏{‏ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ‏}‏

عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا أحد أغير من اللّه، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللّه‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والشيخان‏"‏، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والإثم والبغي بغير الحق‏}‏، قال السدي‏:‏ أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق، وقال مجاهد‏:‏ الإثم المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه، وحاصل ما فسر به الإثم‏:‏ أن الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس، فحرم اللّه هذا وهذا‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا‏}‏ أي تجعلوا له شركاء في عبادته، ‏{‏وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون‏}‏ عن الافتراء والكذب من دعوى أن له ولداً، ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏}‏ الآية‏.‏

 الآية رقم ‏(‏34 ‏:‏36‏)‏

‏{‏ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ‏.‏ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏.‏ والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل أمة‏}‏ أي قرن وجيل ‏{‏أجل فإذا جاء أجلهم‏}‏ أي ميقاتهم المقدر لهم ‏{‏لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏}‏، ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلاً يقصون عليهم آيايته وبشر وحذر فقال‏:‏ ‏{‏فمن اتقى وأصلح‏}‏ أي ترك المحرمات وفعل الطاعات ‏{‏فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها‏}‏ أي كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها، ‏{‏أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏ أي ماكثون فيها مكثاً مخلداً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏37‏)‏

‏{‏ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فمن أظلم ممن افترى على اللّه الكذب أو كذب بآياته‏}‏ أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على اللّه أو كذب بآياته المنزلة ‏{‏أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب‏}‏، اختلف المفسرون في معناه، فقال ابن عباس‏:‏ ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن كذب على اللّه أن وجهه مسود، وعنه قال‏:‏ نصيبهم من الأعمال، من عمل خيراً جزي به، ومن عمل شراً جزي به‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ما وعدوا به من خير وشر، واختاره ابن جرير،

وقال محمد القرظي ‏{‏أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب‏}‏، قال‏:‏ عمله ورزقه وعمره، وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم‏}‏ ونظير المعنى في هذه الآية، كقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم‏}‏ الآية‏.‏ يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفيت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار، يقولون لهم‏:‏ أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون اللّه ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه، قالوا‏:‏ ‏{‏ضلوا عنا‏}‏ أي ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ‏{‏وشهدوا على أنفسهم‏}‏ أي أقروا واعترفوا على أنفسهم ‏{‏أنهم كانوا كافرين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏38 ‏:‏ 39‏)‏

‏{‏ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ‏.‏ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ‏}‏ يقول تعالى مخبراً عما يقوله لهؤلاء المشركين به المفترين عليه المكذبين بآياته ‏{‏ادخلوا في أمم‏}‏ أي من أمثالكم وعلى صفاتكم، ‏{‏قد خلت من قبلكم‏}‏ أي من الأمم السالفة الكافره، ‏{‏من الجن والإنس في النار‏}‏ ويحتمل أن يكون ‏{‏في أمم‏}‏ أي مع أمم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كلما دخلت أمة لعنت أختها‏}‏ كما قال الخليل عليه السلام، ‏{‏ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض‏}‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حتى إذا اداركوا فيها جميعا‏}‏ أي اجتمعوا فيها كلهم ‏{‏قالت أخراهم لأولاهم‏}‏ أي أخراهم دخولاً وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون لأنهم أشد جرماً من أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى اللّه يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون‏:‏ ‏{‏ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار‏}‏ أي أضعف عليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب‏}‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قال لكل ضعف‏}‏ أي قد فعلنا ذلك وجازينا كلاً بحسبه، كقوله‏:‏ ‏{‏الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه زدناهم عذابا‏}‏ الآية،

وقوله‏:‏ ‏{‏وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم‏}‏ الآية، ‏{‏وقالت أولاهم لأخراهم‏}‏ أي قال المتبوعون للأتباع‏:‏ ‏{‏فما كان لكم علينا من فضل‏}‏، قال السدي‏:‏ لقد ضللتم كما ضللنا، ‏{‏فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون‏}‏، وهذه الحال كما أخبر اللّه تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين‏}‏ الآيات‏.‏

 الآية رقم ‏(‏40 ‏:‏ 41‏)‏

‏{‏ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ‏.‏ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تفتح لهم أبواب السماء‏}‏ قيل‏:‏ المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء قاله مجاهد وسعيد بن جبير ورواه العوفي عن ابن عباس ، وقيل‏:‏ المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ‏"‏رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي‏"‏، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال‏:‏ خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال‏:‏ ‏(‏استعيذوا باللّه من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثاً - ثم قال‏:‏ إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول‏:‏ أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من اللّه ورضوان - قال‏:‏ فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح الطيبة‏؟‏ فيقولون‏:‏ فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول اللّه عز وجلَّ‏:‏ اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال‏:‏ فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له‏:‏ من ربك‏؟‏ فيقول‏:‏ ربي اللّه، فيقولان له‏:‏ ما دينك‏؟‏ فيقول‏:‏ ديني الإسلام، فيقولان له‏:‏ ما هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏ فيقول‏:‏ هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فيقولان له‏:‏ وما عملك‏؟‏ فيقول‏:‏ قرأت كتاب اللّه فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء‏:‏ أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة،

فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له قبره مد البصر - قال‏:‏ ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول‏:‏ أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له‏:‏ من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير‏؟‏ فيقول‏:‏ أنا عملك الصالح، فيقول‏:‏ رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي‏.‏

قال‏:‏ وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول‏:‏ أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من اللّه وغضب، قال‏:‏ فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح الخبيثة‏؟‏ فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له - ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏}‏ فيقول اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً - ثم قرأ‏:‏ ‏{‏ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق‏}‏، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له‏:‏ من ربك‏؟‏ فيقول‏:‏ هاه هاه لا أدري، فيقولان‏:‏ ما دينك‏؟‏ فيقول‏:‏ هاه هاه لا أدري، فيقولان‏:‏ ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول‏:‏ هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول‏:‏ أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول‏:‏ من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر‏؟‏ فيقول‏:‏ أنا عملك الخبيث، فيقول‏:‏ رب لا تقم الساعة‏.‏

وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال‏:‏ من هذا‏؟‏ فيقولون‏:‏ فلان، فيقال‏:‏ مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه عزَّ وجلَّ، وإذا كان الرجل السوء قالوا‏:‏ اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال‏:‏ من هذا‏؟‏ فيقولون‏:‏ فلان، فيقولون‏:‏ لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم يفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له‏"‏‏.‏

وقد قال ابن جريج‏:‏ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم، وهذا فيه جمع بين القولين، واللّه أعلم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏}‏ هكذا قرأه الجمهور، وفسروه بأنه البعير، قال الحسن البصري‏:‏ حتى يدخل البعير في خرق الإبرة هذا قول جمهور السلف منهم أبو العالية والضحاك وابن مسعود ورواه العوفي عن ابن عباس‏"‏‏.‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ بضم الجيم وتشديد الميم‏:‏ يعني الحبل الغليظ في خرق الإبرة‏.‏ وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ‏:‏ حتى يلج الجمل، يعني قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لهم من جهنم مهاد‏}‏ المراد‏:‏ الفرش، ‏{‏ومن فوقهم غواش‏}‏ اللحف، وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي ‏{‏وكذلك نجزي الظالمين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏42 ‏:‏ 43‏)‏

‏{‏ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ‏.‏ ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ‏}‏

لما ذكر تعالى حال الاشقياء عطف بذكر حال السعداء، فقال‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ أي آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد ‏{‏أولئك الذين كفروا بآيات اللّه واستكبروا عنها‏}‏ نبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال‏:‏ ‏{‏لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون * ونزعنا ما في صدورهم من غل‏}‏ أي من حسد وبغض، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا‏)‏ وقال السدي في الآية‏:‏ إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً‏.‏ وقال علي رضي اللّه عنه‏:‏ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال اللّه تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏ونزعنا ما في صدورهم من غل‏}‏ ‏"‏رواه ابن جرير عن قتادة عن علي كرم اللّه وجهه‏"‏‏.‏ وروى النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول‏:‏ لولا أن اللّه هداني فيكون له شكراً، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول‏:‏ لو أن اللّه هداني فيكون له حسرة‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن مردويه والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏، ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة

فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم، وإنما وجب الحمل على هذا لما يثبت في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة‏)‏، قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏44 ‏:‏ 45‏)‏

‏{‏ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ‏.‏ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ‏}‏

يخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ‏{‏أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا‏}‏ أن ههنا مفسرة للقول المحذوف، و قد للتحقيق، أي قالوا لهم‏:‏ قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار، ‏{‏فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تاللّه إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين‏}‏ أي ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال، وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم‏:‏ ‏{‏هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون‏}‏، وكذلك قرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى‏:‏ ‏(‏يا أبا جهل ابن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً‏.‏ وقال عمر‏:‏ يا رسول اللّه تخاطب قوماً قد جيّفوا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا‏)‏ ‏"‏الحديث مروي في الصحيحين‏"‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأذن مؤذن بينهم‏}‏ أي أعلم معلم ونادى مناد ‏{‏أن لعنة اللّه على الظالمين‏}‏ أي مستقرة عليهمن ثم وصفهم بقوله‏:‏ ‏{‏الذين يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا‏}‏ أي يصدون الناس عن اتباع سبيل اللّه وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد، ‏{‏وهم بالآخرة كافرون‏}‏ أي وهم بلقاء اللّه في الدار الآخرة كافرون أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حساباً عليه ولا عقاباً، فهم شر الناس أقوالاً وأعمالاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏46 ‏:‏ 47‏)‏

‏{‏ وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ‏.‏ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ‏}‏

لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار حجاباً، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير‏:‏ وهو السور الذي قال اللّه تعالى فيه‏:‏ ‏{‏فضرب بينهم بسور له باب‏}‏ وهو الأعراف الذي قال اللّه تعالى فيه‏:‏ ‏{‏وعلى الأعراف رجال‏}‏، ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبينهما حجاب‏}‏ هو السور وهو الأعراف، وقال مجاهد‏:‏ الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ والأعراف جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ هو سور بين الجنة والنار، وقال السدي إنما سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس، واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم‏؟‏ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم قال بذلك حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف ‏.‏ وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ ابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، قال‏:‏ ‏(‏أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون‏)‏ وقال ابن جرير عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال فقال‏:‏ هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار‏.‏ قال‏:‏ فوقفوا هناك على السور حتى يقضي اللّه فيهم‏.‏

وعن ابن مسعود قال‏:‏ يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول اللّه‏:‏ ‏{‏فمن ثقلت موازينه‏}‏ الآيتين، ثم قال‏:‏ الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح، قال‏:‏ ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا‏:‏ سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ونظروا إلى أهل النار ‏{‏قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏}‏ تعوذوا باللّه من منازلهم، قال‏:‏ فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نوراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نوراً، وكل أمة نوراً فإذا أتوا على الصراط سلب اللّه نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا‏:‏ ‏{‏ربنا أتمم لنا نورنا‏}‏، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع، فهنالك يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لم يدخلوها وهم يطمعون‏}‏ فكان الطمع دخولاً، قال‏:‏ فقال ابن مسعود إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول‏:‏ هلك من غلبت آحاده عشراته ‏"‏رواه ابن جرير عن ابن مسعود موقوفاً‏"‏، وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أصحاب الأعراف‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد، قال‏:‏ أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم‏)‏ ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ هذا مرسل حسن‏"‏‏.‏

وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يعرفون كلاً بسيماهم‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه، وقال العوفي عن ابن عباس‏:‏ أنزلهم اللّه بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا باللّه أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء اللّه، وقال الحسن إنه تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏لم يدخلوها وهم يطمعون‏}‏ قال‏:‏ واللّه ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم، وقال قتادة‏:‏ قد أنبأكم بمكانهم من الطمع، وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا‏:‏ ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏}‏‏.‏ قال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏.‏ وقال السدي‏:‏ وإذا مروا بهم يعني أصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا‏:‏ ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ تحدد وجوههم للنار، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم، وقال ابن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار‏}‏ فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة ‏{‏قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏48 ‏:‏ 49‏)‏

‏{‏ ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ‏.‏ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ‏}‏

يقول اللّه تعالى إخباراً عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم ‏{‏ما أغنى عنكم جمعكم‏}‏ أي كثرتكم، ‏{‏وما كنتم تستكبرون‏}‏ أي لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب اللّه بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال، ‏{‏أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمة‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ يعني أصحاب الأعراف ‏{‏ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون‏}‏، وقال ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏قالوا ما أغنى عنكم جمعكم‏}‏ الآية، قال‏:‏ فلما قالوا لهم الذي قضى اللّه أن يقولوا يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار، قال اللّه لأهل التكبر والأموال‏:‏ ‏{‏أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏50 ‏:‏51‏)‏

‏{‏ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ‏.‏ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ‏}‏

يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك، قال السدي‏:‏ ‏{‏أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه‏}‏ يعني الطعام، وقال ابن أسلم‏:‏ يستطعمونهم ويستسقونهم، وقال سعيد بن جبير‏:‏ ينادي الرجل أباه أو أخاه فيقول له‏:‏ قد احترقت، فأفض عليَّ من الماء، فيقال لهم أجيبوهم، فيقولون‏:‏ ‏{‏إن اللّه حرمهما على الكافرين‏}‏، قال ابن أسلم ‏{‏إن اللّه حرمهما على الكافرين‏}‏‏:‏ يعني طعام الجنة وشرابها، وسئل ابن عباس أي الصدقة أفضل‏؟‏ فقال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة، قالوا‏:‏ أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه‏)‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏‏؟‏ ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهواً ولعباً، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة، وقوله‏:‏ ‏{‏فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا‏}‏ أي يعاملهم معاملة من نسيهم، لأنه تعالى لا يشذ عن علمهم شيء ولا ينساه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يضل ربي ولا ينسى‏}‏، وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله‏:‏ ‏{‏نسوا اللّه فنسيهم‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا‏}‏، وقال ابن عباس‏:‏ نسيهم اللّه من الخير ولم ينسهم من الشر، وعنه‏:‏ نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا، وقال مجاهد‏:‏ نتركهم في النار، وقال السدي‏:‏ نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا، وفي الصحيح أن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة‏:‏ ألم أزوجك‏؟‏ ألم أكرمك‏؟‏ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى، فيقول‏:‏ أظننت أنك ملاقيَّ‏؟‏ فيقول‏:‏ لا، فيقول اللّه تعالى‏:‏ فاليوم أنساك كما نسيتي‏.‏

 الآية رقم ‏(‏52 ‏:‏ 53‏)‏

‏{‏ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ‏.‏- هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين كقوله‏:‏ ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏فصلناه على علم‏}‏ للعالمين، أي على علم منا بما فصلناه به كقوله‏:‏ ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏، ولما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة، ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا‏}‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا تأويله‏}‏ أي ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار، قاله مجاهد وغير واحد، وقال مالك‏:‏ ثوابه، وقال الربيع‏:‏ لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ، قوله‏:‏ ‏{‏يوم يأتي تأويله‏}‏ أي يوم القيامة، ‏{‏يقول الذين نسوه من قبل‏}‏ أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا، ‏{‏قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا‏}‏ أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه ‏{‏أو نرد‏}‏ إلى الدار الدنيا ‏{‏فنعمل غير الذي كنا نعمل‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون‏}‏ كما قال ههنا‏:‏ ‏{‏قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏ أي خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، ‏{‏وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏ أي ذهب عنهم ما كانوا يعبدون من دون اللّه فلا يشفعون فيهم ولا ينصروهم ولا ينقذونهم مما هم فيه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏54‏)‏

‏{‏ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ‏}‏

يخبر تعالى أنه خالق العالم؛ سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما أية من القرآن، واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان‏؟‏ أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل‏؟‏ فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها،

وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح وهو إمرارها، كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن اللّه فإن اللّه لا يشبهه شيء من خلقه و‏{‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏}‏، بل الأمر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال‏:‏ من شبَّه اللّه بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف اللّه به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت للّه تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال اللّه، ونفى عن اللّه تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً‏}‏ أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاُ أي سريعاً لا يتأخر عنه،

بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه، كقوله‏:‏ ‏{‏وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون‏}‏، فقوله‏:‏ ‏{‏ولا الليل سابق النهار‏}‏ أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره‏}‏ أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبهاً‏:‏ ‏{‏ألا له الخلق والأمر‏}‏ أي له الملك والتصرف ‏{‏تبارك اللّه رب العالمين‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏تبارك الذي جعل في السماء بروجا‏}‏ الآية، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏من لم يحمد اللّه على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله، ومن زعم أن اللّه جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل اللّه على أنبيائه‏)‏، لقوله‏:‏ ‏{‏ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين‏}‏ ‏"‏رواه ابن جرير‏"‏، وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعاً‏:‏ ‏(‏اللهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله‏)